ابن كثير
388
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
القرآن يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ويغفر ، ولن يقبضه اللّه حتى يقيم به الملّة العوجاء ، بأن يقولوا لا إله إلا اللّه ، فيفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا ، وقد رواه البخاري « 1 » في البيوع عن محمد بن سنان عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي به . ورواه في التفسير عن عبد اللّه ، قيل ابن رجاء ، وقيل ابن صالح ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال عن عطاء بن يسار عن عبد اللّه بن عمرو به . ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عبد اللّه بن رجاء عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون به . وقال البخاري في البيوع : وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه ، وقال وهب بن منبه : إن اللّه تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعياء : أن قم في قومك بني إسرائيل فإني منطق لسانك بوحي وأبعث أميا من الأميين ، أبعثه ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه من سكينته ، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه ، أبعثه مبشرا ونذيرا لا يقول الخنا ، أفتح به أعينا كمها وآذانا صما وقلوبا غلفا ، أسدده لكل أمر جميل وأهب له كل خلق كريم ، وأجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة منطقه ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خلقه ، والحق شريعته ، والعدل سيرته والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلال ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة ، وأعرف به بعد النكرة ، وأكثر به بعد القلة ، وأغني به بعد العيلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأؤلف به بين أمم متفرقة وقلوب مختلفة ، وأهواء متشتتة ، وأستنقذ به فئاما من الناس عظيمة من الهلكة ، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين لما جاءت به رسلي ، ألهمهم التسبيح والتحميد ، والثناء والتكبير والتوحيد ، في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم يصلون لي قيانا وقعودا ويقاتلون في سبيل اللّه صفوفا وزحوفا ، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفا ، يطهرون الوجوه والأطراف ويشدون الثياب في الأنصاف ، قربانهم دماؤهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، رهبان بالليل ليوث بالنهار ، وأجعل في أهل بيته ، وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين ، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون ، وأعز من نصرهم وأؤيد من دعا لهم ، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم ، أو بغى عليهم أو أراد أن ينتزع شيئا مما في أيديهم ، أجعلهم ورثة لنبيهم ، والداعية إلى ربهم ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون
--> ( 1 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 48 ، باب 3 ، والبيوع باب 50 .